وكالة مهر للأنباء، قسم الشؤون الدولية: لم تعد حرب الأربعين يوماً مع إيران مجرد مواجهة عسكرية مكلفة بالنسبة لأميركا، بل تحولت إلى اختبار لمصداقية واشنطن وقدرتها الردعية. دخلت أميركا، وخاصة دونالد ترامب، الحرب بمجموعة من الحسابات حول قدرات إيران ودرجة صمودها وإمكانية فرض مطالبها سريعاً، لكن إطالة أمد الصراع أظهرت أن الفجوة بين القدرة على الضرب والقدرة على الفوز أكبر بكثير مما تصورته حسابات البيت الأبيض الأولية.
وفي هذا السياق، وصف "روبن نيبلت"، الرئيس السابق لمعهد تشاتام هاوس وأحد الوجوه البارزة في السياسة الخارجية الغربية، نتيجة الحرب حتى الآن بأنها هزيمة استراتيجية ومخزية لأميركا. وتكمن أهمية هذه التصريحات في شخصية قائلها، لأن هذا النقد لا يأتي فقط من معارضة ترامب، بل إن القلق بشأن تداعيات الحرب يتزايد أيضاً بين الخبراء الغربيين المخضرمين.
لكن المشكلة الأساسية ليست مجرد الخسائر العسكرية. فالهزيمة الاستراتيجية تحدث عندما يفشل قوة عسكرية كبرى في تحويل قوتها العسكرية إلى مكسب سياسي. قد تكون أميركا قادرة على استهداف أهداف معينة، وتدمير بنى تحتية، وإظهار تفوقها الجوي، لكن إذا لم تستطع إجبار إيران على قبول مطالبها السياسية، فإن هذه النجاحات العملياتية لا تعني بالضرورة انتصاراً في الحرب.
وهنا اصطدمت حسابات واشنطن بالواقع. يبدو أن أميركا دخلت الحرب على اعتقاد أن الضغط العسكري الشديد يمكن أن يدفع إيران إلى التراجع في فترة قصيرة. لكن الحرب تتحول إلى مستنقع عندما لا يكون إنهاؤها بسهولة بيد من بدأها. فكل يوم يستمر فيه القتال، بالإضافة إلى زيادة التكاليف العسكرية، يطرح مزيداً من الأسئلة حول الهدف النهائي وطريق الخروج لأميركا.
لكن التكلفة الأكبر قد تكون في مجال أقل وضوحاً: مصداقية أميركا. فقوة واشنطن لا تعتمد فقط على حاملات الطائرات والمقاتلات والصواريخ المتطورة، بل يقوم جزء مهم من قوتها على الاعتقاد بأن أميركا تملك القدرة والإرادة لفرض مطالبها والدفاع عن حلفائها.
وإذا فشلت أميركا، بعد حرب طويلة ومكلفة، في تحقيق النتيجة السياسية التي تريدها، فإن هذا الاعتقاد سيتضرر. فحلفاء أميركا لا ينظرون فقط إلى نتيجة العمليات العسكرية، بل يتساءلون: إذا دخلوا في أزمة كبرى في المستقبل، فهل تستطيع واشنطن حقاً الدفاع عنهم وتحقيق أهدافها في الوقت نفسه؟
ومن هذا المنظور، قد تكون لحرب إيران تداعيات تتجاوز طهران وواشنطن. فدول المنطقة تعيد النظر في حساباتها الأمنية. وإذا تعزز الانطباع بأن أميركا، رغم تفوقها العسكري، غير قادرة على إنهاء حرب بسرعة وحسم، فإن دافع دول المنطقة لتنويع شركائها الأمنيين وتقليل الاعتماد على واشنطن سيزداد.
وبالنسبة لترامب، فإن المسألة أكثر تعقيداً. لقد قدم نفسه دوماً كرئيس يمكنه تحقيق نتائج سريعة بالضغط والتهديد، لكن عليه الآن أن يشرح ما هو المكسب النهائي للحرب. هل استسلمت إيران؟ هل تحققت الأهداف السياسية الأميركية؟ هل زال التهديد الإيراني؟ أم أن واشنطن استهدفت فقط جزءاً من القدرات العسكرية الإيرانية، وتحملت في المقابل تكاليف باهظة؟
وهذا التمييز مهم للغاية. فالنصر العسكري ليس هو النصر الاستراتيجي. قد تكون أميركا ناجحة في عملية عسكرية، لكن إذا لم تستطع تشكيل الوضع السياسي بعد الحرب وفق أهدافها، فإنها تواجه مشكلة على المستوى الاستراتيجي.
ومن جهة أخرى، قد تؤدي إطالة أمد الحرب إلى زيادة الفجوة بين أميركا وحلفائها. فكلما زادت تكاليف الحرب، أصبح السؤال أكثر إلحاحاً لدى حلفاء واشنطن: هل تزيد السياسات الأميركية العدوانية أمنهم حقاً، أم أنها تورطهم في أزمات يتحملون هم أيضاً تكاليفها؟
ولهذا السبب، لا تكمن أهمية تصريحات نيبلت في وصف الوضع الحالي فحسب، بل هي تحذير للمستقبل. فإذا لم تتمكن أميركا من إنهاء الحرب بنتيجة سياسية واضحة، فإن المسألة ستتجاوز الحرب المكلفة لتتحول إلى أزمة مصداقية.
وبالتالي، فإن حرب الأربعين يوماً مع إيران قد تكشف تناقضاً كبيراً لأميركا: فما زالت واشنطن تمتلك واحداً من أقوى الجيوش في العالم، لكن القوة العسكرية وحدها ليست ضماناً للنصر السياسي. وإذا اضطرت أميركا في نهاية هذه الحرب إلى تقديم تنازلات للتوصل إلى اتفاق مقبول، بعد أن دفعت تكاليف باهظة، فإن وصف الهزيمة الاستراتيجية سيصبح أكثر معنى.
المسألة اليوم لم تعد كم تملك أميركا من قوة، بل ما إذا كانت قادرة على تحويل هذه القوة إلى نصر سياسي مستدام. وإذا كان الجواب بالنفي، فإن الحرب التي بدأت بهدف إظهار القوة الأميركية قد تتحول في النهاية إلى واحد من أخطر اختبارات مصداقية هذا البلد في الشرق الأوسط.
/انتهى/
تعليقك